سيد قطب
1914
في ظلال القرآن
يوقظ فيهم الفطرة السليمة ، ويوجههم إلى الجنس الآخر الذي خلقه اللّه للرجال ، وعنده منه في داره بناته ، فهن حاضرات ، حاضرات اللحظة إذا شاء الرجال المحمومون تم الزواج على الفور ، وسكنت الفورة المحمومة والشهوة المجنونة ! « قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم . فاتقوا اللّه ولا تخزون في ضيفي . أليس منكم رجل رشيد ؟ » . « هؤلاء بناتي هن أطهر لكم » . . أطهر بكل معاني الطهر . النفسي والحسي . فهن يلبين الفطرة النظيفة ، ويثرن مشاعر كذلك نظيفة . نظافة فطرية ونظافة أخلاقية ودينية . ثم هن أطهر حسيا . حيث أعدت القدرة الخالقة للحياة الناشئة مكمنا كذلك طاهرا نظيفا . « فَاتَّقُوا اللَّهَ » . . قالها يلمس نفوسهم من هذا الجانب بعد أن لمسها من ناحية الفطرة . « وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي » . . قالها كذلك يلمس نخوتهم وتقاليد البدو في إكرام الضيف إطلاقا . « أليس منكم رجل رشيد ؟ » . . فالقضية قضية رشد وسفه إلى جوار أنها قضية فطرة ودين ومروءة . . ولكن هذا كله لم يلمس الفطرة المنحرفة المريضة ، ولا القلوب الميتة الآسنة ، ولا العقول المريضة المأفونة . وظلت الفورة المريضة الشاذة في اندفاعها المحموم : « قالوا : لقد علمت ما لنا في بناتك من حق . وإنك لتعلم ما نريد ! » . . لقد علمت لو أردنا بناتك لتزوجناهن . فهذا حقنا . . « وإنك لتعلم ما نريد » . . وهي إشارة خبيثة إلى العمل الخبيث . وأسقط في يد لوط ، وأحس ضعفه وهو غريب بين القوم ، نازح إليهم من بعيد ، لا عشيرة له تحميه ، وليس له من قوة في هذا اليوم العصيب ؛ وانفرجت شفتاه عن كلمة حزينة أليمة : « قال : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ! » . . قالها وهو يوجه كلامه إلى هؤلاء الفتية - الذين جاء الملائكة في صورتهم - وهم صغار صباح الوجوه ؛ ولكنهم - في نظره - ليسوا بأهل بأس ولا قوة . فالتفت إليهم يتمنى أن لو كانوا أهل قوة فيجد بهم قوة . أو لو كان له ركن شديد يحتمي به من ذلك التهديد ! وغاب عن لوط في كربته وشدته أنه يأوي إلى ركن شديد . ركن اللّه الذي لا يتخلى عن أوليائه . كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يتلو هذه الآية : « رحمة اللّه على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد » ! وعندما ضاقت واستحكمت حلقاتها ، وبلغ الكرب أشده . . كشف الرسل للوط عن الركن الشديد الذي يأوي إليه : « قالوا : يا لوط ، إنا رسل ربك ، لن يصلوا إليك » . . وأنبئوه نبأهم ، لينجو مع أهل بيته الطاهرين ، إلا امرأته فإنها كانت من القوم الفاسدين :